أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات و دراسات » #أمين الهاني: التصفية الجسدية بين ملابسات الحدث والصمت الرسمي
#أمين الهاني: التصفية الجسدية بين ملابسات الحدث والصمت الرسمي

#أمين الهاني: التصفية الجسدية بين ملابسات الحدث والصمت الرسمي

يقف الشهيد “أمين الهاني” وراء قصة نجاح زهاء ألف شاب تلقوا التدريب على يديه في دورات مختلفة اهتمّت برفع مهارات التفكير والإبداع، إلى جانب المئات من تلاميذه في مدارس الهيئة الملكية بمدينة الجبيل الذي يشهد تفوقهم على مهارات “الهاني” ونجاحه في بناء شخصياتهم المتميزة، وهكذا أصبح “الأستاذ المربي” “الناشط القرآني” توصيف طالما ارتبط ذكره بشخصية الشهيد “الهاني”.

لم ينجُ “آل هاني” من الاستهداف الجسدي الذي أودى بحياته فجر السبت ٢٤-٦-٢٠١٧م فانتهى به المطاف مقتولاً بعدة رصاصات قبل أن يتفحم جثة هامدة في سيارته، التي كشفت تعرضه إلى وابل من الرصاص عيار 50ملم على بعد نحو 60 متراً من الثكنة العسكرية المقامة منذ 6 سنوات على (سد الناصرة) على تخوم بلدة “العوامية” المحاصرة من جميع المنافذ، والتي شهدت منذ العاشر من مايو الماضي ارتفاعاً غير مسبوق في وتيرة القمع والاستهداف للمدنيين في الطرقات والأحياء السكنية.

ترقب وقلق

لم يدر في خلد الشاب “آل هاني” أنه يخطو إلى موعد لحظاته الأخيرة.. بعد الثانية فجراً غادر بلدة القديح عبر “طريق أحد” وقبل أن يأخذ طريقه إلى منزل أسرته في مدينة صفوى، استقبل اتصالاً جعله يُغيّر اتجاهه إلى حي “الدخل المحدود” ليستلم كشف نتائج التقييم والانجاز للمشاركين في المحفل القرآني، ثم قفل راجعاً إلى بلدته عبر طريق الناصرة مروراً بالحاجز العسكري.

تأخر “آل هاني” عن الوصول إلى منزله، سادت حالة من الترقب والقلق لدى أسرته، حاولوا الاتصال به وفوجئوا بجواله مغلقاً. تسارعت الأحداث والتطورات، مع وصول أنباء عن احتراق سيارة على أطراف بلدة العوامية قريباً من الناصرة!

بقي خيط رفيع من الأمل يساور أفئدة وأفكار أسرته، أن يعود “الهاني” ليكمل صيام آخر يومين من رمضان، وما لبث القلق أن تصاعد مع طلب السلطات السعودية عيّنة من دم ابنه لاجراء فحوصات الـ”DNA” . وبانتظار نتائج التحليل المختبري, قضت أسرة “الهاني” 4 أيام بلياليها تتنازعها الشكوك والمخاوف أن تفقد ابنها ضحية, وسط غمرة أحداث طالما تكررت كسيناريو متطابق في المشهد القطيفي خلال الشهور الأخيرة، حيث قضى 3 شبان على الأقل برصاص القوات السعودية قبل أن تتفحم جثثهم وسط سياراتهم!.

الملابسات

ذكر مقربون من الشهيد “الهاني” لـ“مرآة الجزيرة” أن الشهيد لاحظ آخر يوم قبل استشهاده تتبع أحد الأشخاص الغرباء لحركته مما أثار حالة من الاستغراب صرّح بها لأحد مرافقيه في الحفل “ع، س” الذي قال “ لم يتصوّر أحد منا أن يكون ذلك خطة استهداف وتصفية جسدية, وإنما ظننا الأمر جزء من نشاط استخباراتي تمارسه السلطات للمراقبة بهدف التأكد أن الأنشطة التي يمارسها “الشهيد أمين” هي أنشطة اجتماعية وثقافية ودينية، وأنه بعيد عن النشاط السياسي المعارض، كما هو الحال مع الكثير من الناشطين الذين خضعت تحركاتهم وأنشطتهم للمراقبة والرصد في الفترات الأخيرة”.

ويضيف المصدر: “حتى بعد عملية احتراق السيارة لم يُسمح لعائلة الشهيد أن تعاينها، بل عاملتهم السلطات المختصّة في شرطة القطيف ومركز المحافظة بقسوة، ولم يتردد أحد منسوبي الداخلية أن يصرخ في وجه أسرة “الهاني” حين ذهبوا لتسليم بطاقة الهوية لابنهم “المفقود” بقوله بصوت حاد ومرتفع: “ابنكم إرهابي يستحق الموت، وأنتم كنتم متسترين عليه”!!

الحقيقة..

“مرآة الجزيرة” حصلت على معلومات من مصدر أمني مطلع، أكد أن “آل هاني” كان متجهاً إلى صفوى عن طريق سد الناصرة الذي تتمركز فيه إحدى الثكنات العسكرية على أطراف بلدة العوامية عند مدخل الناصرة، حوالي الساعة 2:25 بعد ليل السبت 24 يونيو الماضي وعلى بعد نحو ٦٠ متراً من الثكنة، تم استهدافه بوابل كثيف من الرصاص الحي. ولم يشر المصدر أو يصرح عن السبب الذي دفع عناصر القوات العسكرية السعودية المتواجدين في الثكنة لاستهداف الشاب “الهاني” وتصفيته.

مصدر آخر أضاف أن “الهاني” كان قادماً إلى نقطة الناصرة يريد التوجه إلى منزله في مدينة صفوى عبر طريق المصرف الزراعي في العوامية، لكن رصاص العساكر المتحصنين داخل المدرعة والذين نفذوا عملية التصفية باغته كالمطر، مما جعله يلتف بسيارته محاولاً تفادي الرصاص الذي انهمر على سيارته من جميع الجهات، وما إن استدار بسيارته حتى تم تكثيف الطلق الناري عليه بمشاركة عساكر آخرين مما أدى إلى إصابته وإعطاب السيارة وتوقفها عن الحركة كلياً.

ويواصل المصدر روايته: بعد ذلك تم منع الاقتراب من مكان الحدث، ولم تكن المركبة حتى تلك اللحظة قد احترقت، وفي حين استدعي الإسعاف الى الموقع، وصلت سيارة مدنية تقل عناصر من المباحث العامة، وانقضت دقائق قبل أن يتم اشعال النار في السيارة.

وصل الإسعاف بعد اشتعال النار فتم منعه من الاقتراب من السيارة بذريعة الخطر واحتمال انفجار خزان الوقود، وحتى اللحظة لم يكن الدفاع المدني قد استدعي لاطفاء الحريق، حيث تأخر وصوله ما يقارب 20 دقيقة من بدء اشعال النار في سيارة “الهاني”.

تساؤلات معلقة.. والسلطات تلتزم الصمت

حفلة رصاص ليلي، شاب مفقود، سيارة محترقة، وأنباء عن جثة متفحمة غير واضحة المعالم، وعدا عن بضع صور ومقطع فيديو قصير للنيران وهي تلتهم السيارة، لا خبر ولا معلومات فالسلطة وأجهزة وزارة الداخلية تُحكم قبضتها على موقع الحدث وبحوزتها وحدها كل المعلومات والتفاصيل.

ورغم فداحة الحادث الذي مضى عليه حتى لحظة إعداد هذا التقرير 12 يوماً لا تزال وزارة الداخلية السعودية تلوذ بالصمت المطبق, ولم تصدر أية بيانات أو إيضاحات، خلافاً للعادة التي درجت عليها في حوادث أخرى مماثلة، ما يكثف لدى المراقبين التساؤلات والشكوك.

مراقبون محليون من أهالي القطيف أشاروا أن استهداف “الهاني” قد يكون مؤشراً على مرحلة جديدة من استهداف وتصفية الكفاءات والنخب الشيعية حتى غير المعارضين السياسيين والذين لم يُعرف عنهم أية مشاركات في الأنشطة الاحتجاجية والمطلبية التي شهدتها المنطقة.

وتشير شخصيات شيعية محلية إلى أن استهداف ناشط بارز بحجم الشهيد “أمين الهاني” وحرق سيارته بهدف التخلص من أدلة جريمة تصفيته، قضية لا يمكن أن للصمت الرسمي أن يطويها، مؤكدين استمرار مطالبات أسرته والنشطاء والمثقفين بالكشف عن ملابسات الجريمة ومحاسبة المسؤولين عن ارتكابها، مؤكدين أن إظهار تسجيلات كاميرات المراقبة المنصوبة على أبراج الثكنة العسكرية ستكشف بوضوح تفاصيل ملابسات الحادثة والمتورطين فيها سواء بإطلاق الرصاص على الشهيد أو حرق جثمانه داخل سيارته.