أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات و دراسات » الإعدامات الجماعية تظهر أن السعودية ستتصرف من دون عقاب
الإعدامات الجماعية تظهر أن السعودية ستتصرف من دون عقاب

الإعدامات الجماعية تظهر أن السعودية ستتصرف من دون عقاب

*نزيهة سعيد

أعدمت المملكة العربية السعودية 81 شخصًا في 12 مارس/آذار في أكبر إعدام جماعي معروف في تاريخ المملكة. ولم تشفع الهوية السعودية لثلاثة وسبعين منهم فأُعدموا إلى جانب سبعة يمنيين وسوري. وشملت التهم الموجهة إليهم القتل والارتباطات المزعومة بمنظمات مثل تنظيم الدولة الإسلامية، داعش وحركة أنصار الله اليمنية، المعروفة باسم الحوثيين. وأدين آخرون بتهمة “المعتقدات المنحرفة”، و”الولاءات الخارجية”، واستهداف “المواقع الاقتصادية الحيوية”، وتهريب الأسلحة “لزعزعة الأمن، وزرع الفتنة والاضطراب، وإحداث الشغب والفوضى”.

ونُفّذ الإعدام الجماعي بحق 47 شخصًا بقطع الرأس في يناير/كانون الثاني 2016 وتكرر السيناريو نفسه مع 37 محكوم آخر في أبريل/نيسان 2019. ولم تعلن السلطات السعودية عن كيفية تنفيذ الإعدامات الأخيرة.

أحد أقارب الذين أُعدموا يتحدث

استصرح موقع أمواج.ميديا حمزة الشاخوري، وكان شقيقه محمد علوي الشاخوري وابن عمه أسعد مكي شبر من بين الذين أُعدموا مؤخرًا. وقال الشاخوري، العضو القيادي في لقاء المعارضة في الجزيرة العربية التي تنتقد الحكومة السعودية، إن السلطات السعودية “لم تمنح عائلات الذين أُعدموا فرصة لتوديعهم الأخير” وهم “عرفوا عن عمليات الإعدام من خلال وسائل الإعلام”.

وتابع الشاخوري:”لم نعلم كيف نُفذت الإعدامات ولا أين ولا متى نُفذت ولا كيف دُفنوا وإن صلّوا عليهم”. ورفض التهم الموجهة لمن تم إعدامهم ووصفها بأنها “جزافية” وقال إن معظمهم من القطيف بالمنطقة الشرقية بالمملكة العربية السعودية، التي تضم معظم الأقلية الشيعية في البلاد.

وأضاف:”كانوا من بين الناشطين الذين شاركوا في حراك القطيف السلمي الذي استمر ست سنوات”، في إشارة إلى مظاهرات الحراك المناهض للحكومة في المنطقة الذي اكتسب زخمًا بعد احتجاجات الربيع العربي في العام 2011. لقد شاركوا في المظاهرات ورفعوا لافتات وشعارات مناهضة للحكومة. كانت مطالبهم سياسية كما طالبوا بتحسين الخدمات وتأمين سبل عيش أفضل”.

وبحسب منظمة هيومان رايتس ووتش، فإن الأقلية الشيعية في المملكة “عانت طويلًا من التمييز المنهجي والعنف من قبل الحكومة” وأن 41 من الرجال الذين أُعدموا مؤخرًا هم من الشيعة. وكان معظم الذين أعدموا في الإعدامات الجماعية في عامي 2016 و2019 من الشيعة أيضًا.

وقال الشاخوري إن المدعي العام في البلاد أعدم الرجال الشيعة انتقامًا من نشاطهم السياسي. وأضاف:”اعترافاتهم انتُزعت منهم تحت التعذيب. قالوها علنًا في قاعات المحكمة، قالوا إن الاعترافات انتُزعت منهم تحت التعذيب والقوة والإكراه. ومع ذلك، لم تعر المحكمة شهاداتهم أي اهتمام”.

وأوضح الشاخوري أن المحاكمة جرت في سرية تامة وأنه لم يُتح لمحامي المعتقلين الوقت الكافي للقاء موكليهم والتقاضي في قاعة المحكمة. وذكر أن “الظروف التي أجريت في ظلها المحاكمات شابتها ثغرات قانونية، ناهيك عن أن القضاء ليس مستقلًا بل هو خاضع للأجهزة الأمنية ويتلقى تعليمات مباشرة من السلطة السياسية”.

ردود فعل عالمية

أثار الإعدام الجماعي ضجة في جميع أنحاء العالم. وأكدت مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان ميشيل باشليت أن الكثير ممّن أُعدموا كانوا ناشطين شيعة “شاركوا في الاحتجاجات المناهضة للحكومة بين عامي 2011 و2012 وطالبوا بمشاركة سياسية أكبر”.

وأكدت باشليت أن الرجال أعدموا بعد محاكمات “لم تستوفِ شروط المحاكمة العادلة وضمانات الإجراءات القانونية الواجبة، وبجرائم لا يبدو أنها ترقى إلى حد الجرائم الأكثر خطورة، كما ينص القانون الدولي”. وأعربت كذلك عن قلقها إزاء “التعريف الواسع للغاية لمصطلح الإرهاب”، الذي قالت إنه يشمل “الأعمال غير العنيفة التي يُفترض أنها تعرض الوحدة الوطنية للخطر” أو “تقوض سمعة الدولة”.

ومع ذلك، بدت الدول الغربية المتحالفة مع الحكومة السعودية أكثر حذرًا في ردود فعلها. فجاء موقف نيد برايس، المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية مقتضبًا عندما سُئل عن الإعدامات حيث قال:”نواصل التعبير عن المخاوف بشأن ضمان محاكمات عادلة مع السعودية ونطالب بالحد من الاحتجاز التعسفي أو ذاك الذي يُمارس خارج نطاق القضاء، والحفاظ على الشفافية، وسيادة القانون، وحرية الدين والمعتقد”.

والجدير بالذكر أن الإعدام الجماعي نُفّذ قُبَيل الزيارة التي قام بها رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون ووزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن إلى المملكة العربية السعودية. ويسعى الزعيمان الغربيان إلى إقناع الرياض بزيادة إنتاج النفط في محاولة لخفض أسعار الطاقة العالمية في أعقاب الغزو الروسي لأوكرانيا. وعلق جونسون ردًا على الانتقادات الموجهة إلى زيارته للمملكة بعد أيام من الإعدام فقال:”لقد أثرتُ كل هذه القضايا [المتعلقة بحقوق الإنسان] مرات عدة في الماضي… وسأثيرها مرة أخرى اليوم. لكن لدينا علاقات قديمة بل قديمة جدًا مع هذا الجزء من العالم”.

ناشطون سعوديون ينتقدون الصمت الغربي إزاء الإعدامات

قالت الصحفية وصانعة الأفلام الوثائقية صفاء الأحمد لموقع أمواج.ميديا إنه “كان من الأسهل” على السلطات السعودية تنفيذ أحكام الإعدام بينما يتركز اهتمام العالم على الأزمة الأوكرانية. كما اتهمت ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان آل سعود بأنه يريد أن يلوي ذراع  الرئيس الأميركي جو بايدن. وأشارت الأحمد إلى مقابلة حديثة أجراها محمد بن سلمان مع وسيلة إعلام أميركية قال فيها ردًا على سؤال حول ما إذا كان بايدن يسيء فهمه:”ببساطة، أنا لا أهتم. الأمر متروك له للتفكير في مصالح أميركا”.

وتابعت الأحمد قائلة إن تصريحات محمد بن سلمان “يمكن اعتبارها تهديدًا ورسالة إلى بايدن مفادها إما أنا أو الطوفان وأنه [محمد بن سلمان] هو الرجل القوي الوحيد الذي يمكن لبايدن التعامل معه في المملكة سواء رغب في ذلك أم لا”.

وقال طه الحاجي، المحامي السعودي والناشط الحقوقي المقيم في ألمانيا، إن حكام المملكة العربية السعودية يعتقدون أنهم في موقع قوة في الوقت الحالي لأن العالم بحاجة إلى نفطهم. وتابع الحاجي:”في حالة حدوث ردود فعل على عمليات الإعدام، فلن تكون أكثر من إدانات ستستمر بضعة أيام، وبعد ذلك ستعود الأمور وكأن شيئًا لم يحدث لأن العالم بحاجة إلى النفط”.

كما أكد الحاجي أن الحكومة السعودية لا تستجيب لانتقادات انتهاكات حقوق الإنسان بسبب قدرتها على التأثير على التصورات من خلال وسائل الإعلام. وقال في هذا السياق:”يشعر القادة السعوديون أنه من خلال أجهزتهم الإعلامية المهمة، ومن خلال شراء الصمت والولاء والأقلام، يمكنهم تغيير طريقة التفكير والحد من الانتقادات وتصوير أنفسهم كما لو أنهم أعدموا الإرهابيين والقتلة وأسكتوا التهديدات”.

وتوافق الناشطة السعودية البارزة لينا الهذلول، رئيسة قسم الرصد والتواصل في منظمة القسط لحقوق الإنسان، على أن الحكام السعوديين يعتقدون أن أزمة أوكرانيا تمنحهم مساحة أكبر لانتهاك حقوق الإنسان والإفلات من العقاب. وقالت لأمواج.ميديا:”رسالتهم للعالم هي أنهم لن يتعاونوا مع أي جهة بخصوص أسعار النفط إن كان لدى هذه الجهة شروط تتعلق بوضع حقوق الإنسان في السعودية”. وتجدر الإشارة إلى أن الناشطة هي شقيقة السجينة السياسية السعودية البارزة لجين الهذلول.

وأوضحت الهذلول أن الوقت الحالي “مناسب” للحكومة السعودية “للتخلص” من خصومها من دون الاضطرار إلى التعامل مع أي ضغوط دولية. وفي هذا السياق، اعتبرت أن الإعدام الجماعي يظهر أن السلطات “ستتعامل مع معتقلي الرأي بطريقة وحشية ولن تخطط لإغلاق هذا الملف وستظل تستخدم المحكمة الجزائية المتخصصة التي  تستخدم نظام مكافحة الارهاب لأغراض سياسية لمحاكمة كل من تريد الحكومة التخلص منه”. بعبارة أخرى، أوضحت أن المملكة “تعتبر أي نشاط من أجل الحقوق عملًا إرهابيًا، ومن ثم فإن تعريف [الحكومة السعودية] للإرهاب قد يشمل الأعمال السلمية فضلًا عن الأعمال التي نعترف بها جميعًا على أنها أعمال إرهابية”.

وقال الشاخوري وهو قريب اثنين ممن أُعدموا مؤخرًا إن “المذبحة التي وقعت لم تصدمه” لأن “هذا النظام يجد غطاءً دوليًا والعالم بأسره يقف مكتوف الأيدي أمام جرائمه”. وختم بالقول:”رغم وجود إدانات إلا أنها وليدة اللحظة وهي تُستعمل للاستهلاك الإعلامي، وبعدها تعود التحالفات والصفقات والزيارات إلى طبيعتها”.