أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات و دراسات » الحزبُ من مأرِب الى جعجع فالجيش، أين يردّ؟
الحزبُ من مأرِب الى جعجع فالجيش، أين يردّ؟

الحزبُ من مأرِب الى جعجع فالجيش، أين يردّ؟

من الصعب جدا، فصلُ الأحداث الأخيرة في لبنان عن تطوّرات المنطقة، فما حدث في الطيّونة، وما سبقه من انهيارات اقتصادية وأمنية وتلبّد سياسي، ليس منفصلا أبدا عن سد مأرب اليمني ولا عن انتخابات العراق ولا عن الوضع السوري ولا عن الحوار السعودي-الإيراني، وما قد يليه. هذا ما أيقنتُه فعلا بعد جولتي الى أوروبا وسويسرا والقاهرة في الأيام القليلة الماضية.

ماذا في المعلومات والملاحظات أولا:

يقول مسؤول عربي كبير له علاقة مُباشرة بالملف اليمني: لقد حصلت حتى الآن 5 جولات تفاوضية بين إيران والسعودية وان واشنطن نصحت بهذه المفاوضات لإنهاء حرب اليمن. وقد حرِص السعوديون في بدايتها على الدفع باتجاه أولوية الملفات الإقليمية وفي مقدمها اليمن، بينما الإيرانيون شددوا على ضرورة الدخول في العلاقات الثنائية، ثم العبور صوب ملفات أخرى، ولم يُبدِ الإيرانيون حماسة كبيرة للولوج الى الملف اليمني، لكن الطرفين ظهرا منفتحين على العودة الى الحوار وتبريد التوتر بينهما، وجرى الاتفاق على 3 مسائل على الأقل هي: الحج وإعادة العمل القنصلي ثم فتح السفارتين.

سعى الإيرانيون الى توجيه ملف اليمن صوب أمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله، ونصحوا بالتفاوض معه، ذلك أن الحزب نسج علاقات قوية مع أنصار الله وساهم في تدريبهم ونصحهم وأن كلمته عندهم حاسمة. لكن المعلومات تؤكد أن الحزب نصح الحوثيين في خلال التشاور معهم بعدم الشروع في الاتفاق مع السعودية قبل السيطرة على مأرب، على اعتبار ان من يسيطر على تلك المنطقة الاستراتيجية داخليا وإقليميا ودوليا، يحسم الحرب. ولذلك يستعر القتال هناك، ويسقط الكثير من القتلى في معركة يعرف الجميع أنها مصيرية كما كان الشأن في المناطق الحدودية الإيرانية-العراقية.

قال لي دبلوماسي عربي رفيع قبل يومين : إن مشكلة خصوم الحوثيين في اليمن، هي في ضعف القيادة، وتراجع القدرات القتالية وتفكك التحالف العربي والضغط الأميركي لإنهاء الحرب والشعور باستحالة تحقيق أي نصر، ولعل المشكلة الأبرز، وفق الدبلوماسي نفسه، هي في الرئيس عبد ربه منصور هادي شبه الغائب عن السمع والذي يبدو أن السعوديين يئسوا منه قبل اليمنيين رغم أنه يقيم عندهم، بينما نحو 800 ألف يمني صاروا في مصر. ويضيف الدبلوماسي نفسه :” ان مأرب اخطر من أي جبهة أخرى نظرا لطبيعة أهلها تاريخيا المناهضة للحوثيين عقائديا وقبليا، وأيضا بسبب موقعها الاستراتيجي الهام جدا، ولذلك يسقط مئات القتلى.

وفي العراق حيث الساحة المهمة لإيران ومحورها، ما زال المشهد ضبابيا بعد الانتخابات، خصوصا ان زعيم التيار الصدري الذي تصدّر المشهد لم يحسم أمره بعد لجهة من هو رئيس الحكومة المقبلة ولا لجهة التحالف او عدمه مع منافسيه الشيعة الذين طالما ساق ضدهم اتهامات كثيرة وتعاطف مع غضب الناس وتظاهراتهم ضدهم. وهذا أمر يشغلُ إيران كثيرا هذه الأيام قبل الانسحاب العسكري الأميركي الموعود من العراق، فالسيد مُقتدى الصدر ليس من النوع السهل او الموثوق تماما إيرانياً.

وفي سوريا اضطرب الوضع مجددا على أكثر من جبهة بعد فترة قصيرة على قمة الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والسوري بشار الأسد، وثمة 4 أمور لافتة: هي تفجير قافلة تركية، ثم استهداف قاعدة التنف الأميركية، فتفجير في قلب دمشق، رغم عودة التفاوض بين السلطة والمعارضة بشأن اللجنة الدستورية وزيارة المبعوث الدولي الى دمشق، إضافة الى اتصالات رفيعة على مستوى القيادة بين دمشق والامارات. ( يجب عدم التقليل من أهمية الاتصال المباشر بين الرئيس بشار الأسد وولي عهد أبو ظبي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، فهذا الأخير يلعب أكثر من دور ووساطة على جبهات مختلفة حاليا).

وفي لبنان تتقاطع زيارتا صندوق النقد الدولي والوفد الأميركي المُكلّف بمفاوضات ترسيم الحدود. وثمة معلومات تُفيد بأحد الاقتراحات التي تقول بتقاسم مزارع شبعا بين لبنان وسورية وإسرائيل، وان تقدما حصل في هذا المجال مع دمشق.

ما علاقة الأمر بحزب الله ثانيا؟

يتحرك حزب الله على أساس أنه جزء من “محور” كامل، لا بل على أساس أنه حجر الرحى في هذا المحور، ومن يدخل في خلفيات بعض الأمور، يُدرك أن له حضورا ودورا في 5 جبهات، هي العراق واليمن وسوريا وفلسطين إضافة الى لبنان. ولذلك فهو إما يقطف ثمار أي تقدّم في هذه الجبهات، أو يدفع ثمناً في لبنان أو على الأراضي السورية.

لذلك فإن الحزب وجد نفسه في الفترة الماضية أمام الأمور التالية :

تحقيقٌ في تفجير مرفأ بيروت يعتقد أنه يستهدف بيئته وحلفاءه

انتفاضة شعبية منذ 17 تشرين الأول 2019، رأى فيها أصابع سفارات وأجهزة وأحزاب ضده.

حصارٌ اقتصادي بغية تحميله مسؤولية الانهيارات واحباط بيئته

نجح الحزب حتى الآن في هضم هذه التطورات الثلاث ( ولو مؤقتا ذلك ان انفجار الوضع الاجتماعي اللبناني ما زال كبيرا والتحقيق ما زال خطيرا) ، وذلك بعد أن صد موجات الإرهاب والتكفير التي كان يُدرك أنها عابرة للحدود السورية اللبنانية ضده قبل أن تكون ضد غيره. فوضع المحقق طارق البيطار في عين الاتهام، ودفع صوب تخوين انتفاضة 17 تشرين خصوصا ان معظم الأحزاب الكُبرى في لبنان قلقت منها أيضا ودعمته مباشرة او مداورة في التخوين، ثم خَرَق الحصار ببواخر النفط الإيرانية، وذلك بعد أن كانت له الكلمة الفصل في تكليف نجيب ميقاتي بتأليف الحكومة.

شكوكٌ حول جريمة الطيّونة

فجأة انفجر الوضع الأمني على نحو خطير في الطيونة. سارع الحزب مع رئيس مجلس النواب الى تفادي توسّع رقعة الأمر ومنع اندلاع شرارة حرب أوسع. لكنه سارع أيضا، وعلى معهود عادته، الى التدقيق والتمحيص والتحقيق. فما جرى ليس أمرا عابرا، وهو في كل الأحوال ليس حادثا عرضيا ولا ردة فعل. هو فخٌ كبير.

مَن قتل بداية شباب حركة أمل، وكيف؟ هل كان الرصاص افقيا أم عاموديا؟ ثم من قتل شباب حزب الله على نحو افقي متعمّد؟

الشكوك كثيرة، وخلافا لما بات معروفا، ربما الشكوك لا تنحصر بالقوات اللبنانية رغم ما تسرّب من قبل مقرّبين من حزب الله عن استعدادات قواتية وحضور مسؤولين من القوات قبل الجريمة لاستطلاع المكان ( وهي أمور تبقى تسريبات حتى ظهور نتائج التحقيقات).

هل كان يُراد زجّ الحزب والجيش في مواجهة مُباشرة؟ اذا كان نعم، فمن أخذ الأمر العسكري، وعلى أي مستوى؟ لعل هنا يكمُن السؤال الكبير والسرّ الأخطر.

وثمة سؤال آخر: هل ثمة مصلحة في أن تكشف التحقيقات كل ما حصل؟ وماذا لو كشفت أمورا خطيرة عن خطط مدروسة ومبيته ولا تنحصر بالقوات؟ هل يرد الحزب أمنيا وسياسيا، أم يهضم المسألة كما هضم غيرها لان مشروع المحور لا يحتمل الغرق في فخاخ لبنانية.

في التحليل ثالثا:

تعرّض حزب الله في الأشهر القليلة الماضية، الى 3 حوادث رمزية او خطيرة قد تكون صُدفة أو تكون مقصودة : في خلدة مع العرب السُنة، وفي شويا في منطقة حاصبيا الحدودية مع شيوخ دروز، والآن في الطيّونة مع مسيحيين، هل يُراد تطويق الحزب في البيئات الطائفية غير الشيعية؟ أم هو نوع من إشغاله بالفتن والنار والأحداث لهدفين، أولهما دوره في لبنان والمنطقة، وثانيهما إضعافه قبل الانتخابات المقبلة التي يقال ان الثنائي الشيعي لن يهتز فيها.

قد يكون أحد الاحتمالين ممكنا، او الاحتمالان ممكنين، وهما حتما مرتبطان جدا، بالمفاوضات والتطورات في المنطقة، فدور الحزب مهم في الحوار الإيراني السعودي، وفي مستقبل المنطقة، وربما ليس بالصدفة أبدا أن يحدث كل ذلك فيما لبنان يتفاوض مع صندوق النقد الدولي، وبينما وفد أميركي بقيادة أميركي-إسرائيلي يزور لبنان لترسيم الحدود.

ليس من مصلحة حزب الله حاليا الانجرار الى قتال داخلي، وما قاله أمينه العام السيد حسن نصرالله عن 100 ألف مقاتل، قد يبدو لدى البعض غرورا وتعبيرا عن فائض القوة، أما بالنسبة للحزب فهو تحذيرٌ لتفادي الحرب وليس للوقوع في فخاخها… فمن ينظر الى وضع المنطقة بعد مآرب وانتهاء الحرب السورية وانسحاب الاميركيين، يُدرك أن ما قد يحدث هناك، أهم بكثير من الاشتباك الأمني او السياسي مع معراب، فذاك استراتيجيا اقليمة-دولية كُبرى وهذا مجرد تفصيل صغير، في نظر الحزب.

لعل الأهم حاليا من القوات، هو أن نعرف في الداخل، هل يحصل شيء ما بين الحزب والجيش؟