أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات و دراسات » الشيخ حسين الراضي.. صاحب العمامة الثائرة.. قارع استبداد “بني سعود” فقيّدوه بأغلال السجون
الشيخ حسين الراضي.. صاحب العمامة الثائرة.. قارع استبداد “بني سعود” فقيّدوه بأغلال السجون

الشيخ حسين الراضي.. صاحب العمامة الثائرة.. قارع استبداد “بني سعود” فقيّدوه بأغلال السجون

مرآة الجزيرة ـ سناء إبراهيم

عمّة بيضاء، قارعت الظلم، نددت بالاستبداد، نادت بالحرية وطالبت بالحقوق، أرعبت كلماتها نظام آل سعود القائم على حد السيف وسفك الدم، فاتجه نحوها، وتعمّد إسكاتها، رفض آراءها وبدلاً من حوارها، انهال عليها تكبيلاً وتقييدا وأحكاما تعسفية مشددة، لا نهاية لها، لم يبالي بقامة دينية ولم يصن مكانة علمائية، بل جل ما افتعله الانقضاض على الأصوات الصادحة بالحق والمتمسكة بنهجه، والمصرّة على التضحية في سبيله، تضحية تحاكي أساطير المقاومة الواقعية لجلاوزة السلطة السافكة للدم والأرواح، إنه سماحة الشيخ حسين الراضي، عالم الدين الفقيه ابن الأحساء، الذي تقيّده أغلال السلطة انتقاما من دوره وصوته.

سماحة الشيخ حسين الراضي، الرجل السبعيني الذي يقضي حكماً مشدداً بالسجن في زنازين آل سعود، انتقاماً من مواقفه في الدفاع عن حقوق الإنسان، حاوطته أغلال السلطة نتيجة مواقفه المعارضة لاستبدادها، ومجاهرته بانتقاد سياساتها، فسعت بكل ما أوتيت من غطرسة إلى تقييده وتكبيله، ومنعه أداء دوره الرسالي.

من قلب مدينة العمران في الأحساء، صدح صوت الشيخ حسين علي الراضي (من مواليد عام 1951م الموافق 1370 هـ)، أحد أبرز العلماء الشيعة في المنطقة، كان إمام مسجد الرسول الأعظم (ص) في العمران.

يكابد سماحته ويلات السجون والزنازين النتنة في حكم آل سعود، القائم على حد السيف وإسكات الأصوات المقارعة للظلم والاستبداد، في 23 مارس 2021، انقضى العام الخامس من اعتقال عالم الدين الأحسائي الباحث والمفكر الإسلامي الشيخ حسين الراضي، خمس سنوات عجاف تمر أيامها والشيخ الراضي في زنازين النظام سيئة السمعة والمفعمة بالإهمال والحرمان والتهديد والانتقام، ومما يزيد مستوى الخوف على حياته التي يتهددها سوء الخدمات وانعدامها، انتشار الجائحة العالمية كوفيد19، والتي تستدعي الإفراج غير المشروط عنه وبصورة مستعجلة، وهو يشكو من مرض القلب، ما يسلتزم رعاية صحية خاصة ومتابعة ضرورية، غير أن الحرمان من الطبابة والعلاج والإهمال العمد والخدمات غير المجدية، تهدد المعتقلين وخاصة الكبار منهم، في ظل ما تعانيه الزنازين من ضيق وإهمال واكتظاظ وعدم مبالاة وحرمان من وسائل التدفئة، الأمر الذي يفاقم معاناة المعتقلين في الأيام العادية، ويتسبب لهم بأمراض معدية، ويرفع منسوب المخاوف على حياتهم.

سماحة العلامة الشيخ الراضي، الذي قارع ظلم آل سعود بكلماته ومواقفه الرسالية في أداء دوره النابع من العقيدة والتمسك بنهج الرسول الأكرم محمد (ص)، دور جعل من سماحته يدفع ثمنا باهظا من سنوات عمره وحريته، إلا أنه لم يخضع ولم يهن، بعد محاكمة تعسفية تفتفد لكافة المعايير الإنسانية والقانونية والشرعات المحلية والدولية، إذ قضت بسجنه 13 سنة ظلما، لمطالبته بكلمة حق وطالب بالعدل ورفض الظلم والاعتداء والاعتقالات التعسفية وشن الحروب العبثية والعدوانية والقتل والتدمير.

جاء حكم السلطة ضد سماحة الشيخ الراضي بعد أن لاقى معاناة التقييد والحرمان من أداء دوره الرسالي ومنعه من إلقاء الخطب الدينية وإمامة صلاة الجمعة وحرمانه إلقاء خطب يوم الجمعة.

تعرض سماحته لمحاكمة تحوطها ظروف غامضة، مع انطلاقها بعد نحو عام من الاعتقال، وحكم بموجبها بالسجن 13 سنة، وزج بسماحته بين سجن الرياض وسجن الدمام، وقضى طوال فترة المحاكمة وحتى ما بعد إنتهائها في سجن الحاير بالرياض، كما تضمنت المحاكمة انتهاكا صارخا، إذ أنها لم تُعلم عائلته بموعد المحاكمة، بل كان نقل الشيخ الراضي من الدمام إلى الرياض ومن ثم إعادته، مؤشرات على بدء الجلسات واختتامها، من دون حضور ذويه، وبعد إصدار الحكم بالسجن 13 سنة، كان الحكم نافذا لا رجعة عنه ولا تخفيف ولا حتى استئناف، وجلسات الاستئناف تجريها السلطات بشكل داخلي، حيث لا تعقد الجلسات بحضور عناصر القضية، بل إنها تنظر في الإعتراض المكتوب فقط.

على امتداد أيام المحاكمة الظالمة، كانت أوضاع جلسات الاستئناف وكيفية نظرها بالقضايا تواجه انتقادات حقوقية، كما النظام القضائي في الرياض والأحكام التي يصدرها بموجب آراء سياسية، ولم تخفف اللسطة من قيود الانتقام من سماحته إلا بعد تفاقم معاناته من ظروف الاعتقال وحرمانه من الأدوية خاصة في سجن الدمام، فسمحت لعائلته بزيارته بشكل مباشر وليس من وراء الزجاج كما جرت العادة.

اعتقال ومحاكمة وانتقام من المواقف

أرّقت كلمات الشيخ الراضي ومواقفه المحقة فراحت السلطة تزمجر أذرعها العسكرية ضده، وفرضت عليه منع إلقاء الخطب الدينية وفي مارس 2016م، وبعد أن استدعته شرطة الأحساء مرات متعددة لإبلاغه بمنعه التعبير عن مواقفه السياسية والتضامنية المتعلقة بشؤون المنطقة، وأقدمت على إغلاق مسجد الرسول الأعظم، واستدعته ليوقع على تعهدات وتهديدات، عليه الالتزام بها تحت عنوان “عدم التدخل في سياسة الدولة الداخلية والخارجية”، وأصدر مكتب سماحته بياناً، أوضح أن سماحته تبلغ من مدير الشرطة في الأحساء، منعه إمامة الجمعة والجماعة، ولكن هذه الخطوة الاستفزازية التي هدفت إلى تقييد سماحته عن أداء دوره الديني العلمي والعملي، تعمّدت العسكرة السلطوية تغليظ الخطوات ضد سماحته، وأقدمت على اعتقاله من بلدة الرميلة في الأحساء، بعد عملية دهم مروّعة نفذتها القوات العسكرية وحاصرتها بأكثر من 20 آلية عسكريّة، اعتقل على أثرها سماحة الشيخ الراضي.

كان استدعاء الشيخ الراضي على خلفية خطبة الجمعة في الخامس من مارس 2016، ندد فيها بقرار “مجلس التعاون الخليجي وقرار وزراء الداخلية العرب تصنيف “حزب الله” في لبنان كمنظمة “إرهابية”، وحينها نبّه إلى أن الكيان الصهيوني هلّل “فرحاً وسروراً وابتهاجاً”، وأشار إلى أن “الإعلام الإسرائيلي وصف القرار بأنه “أكبر فوز وأعظم حدث لإسرائيل… فهنيئاً إذاً لإسرائيل بهذا الفتح الكبير”.

وحينها، أكد سماحة الشيخ الراضي أن “حزب الله” في لبنان : “أعاد الكرامة والعزة للإسلام والمسلمين وللعروبة والعروبيين من الكيان الصهيوني فمن حقه على هذه الشعوب أن تُكرمه وتُبجله وتَعتز به كمفخرة من مفاخرها وإرثاً حضارياً لها والأمم الحية المتقدمة المتحضرة الشريفة تفتخر بعظمائها حتى وإن اختلفت معها “.

وتوجه لأمين عام “حزب الله” السيد حسن نصرالله بقوله: “أنت ابن النجباء الأكرمين أنت ابن السلالة الطيبين الطاهرين، أنت العز، أنت الشرف، أنت النصر، أنت نصر الله، أنت الأمل للمحرومين، أنت المدافع عن المظلومين، أنت السهم في عيون الظالمين”.

جلّ ما أقدم عليه الشيخ الراضي في ممارسة دوره المشروع وحقه في إلقاء الخطب وتوعية الناس في معرفة حقوقهم وواجباتهم، ولعل مساره على خطى سماحة الشيخ الشهيد نمر باقر النمر، والتنديد العلني بإعدام النظام للشيخ النمر، إذ قال: “نحن نترقب من السلطات السعودية بأن تعلن عن الأشخاص الذين قتلهم الشيخ النمر وعن الأماكن التي فجّرها في المساجد والأسواق والدوائر الحكومية أو الطرق التي قطعها وأرهب الناس حتى يستحق الإعدام بعنوان القصاص أو الحرابة، وبذلك يقنع الرأي العام العالمي الذي استنكر هذه الفعلة الشنيعة”؛ هذه المواقف أرّقت النظام الذي يرفض أن يرى في أصحاب العمائم نمر ثائر مرة أخرى، بعد أن عانى النظام من مواقف الشيخ الشهيد السلمية التي تشحذ همم الشعب وتستنهضه وتحرك قواه من أجل العمل على الاستحصال على الحقوق ومعرفة الواجبات من دون أن يقارعوا النظام إلا بكلماتهم وسلميتهم.

ولم تتوقف مواقف سماحة الشيخ الراضي فقد طالب بإخراج قوات درع الجزيرة من البحرين والتوقف عن سفك دم البحرينيين، وحماية حياتهم.

مواقف سماحة الشيخ حسين الراضي، الذي لم يحمل سلاحا ولم يواجه النظام بعسكرة وأهربة كما يفعل آل سعود وجلّ ما فعله أداء دوره الرسالي، جعل منه يرزح خلف القضبان ويقضي سني عمره في الزنازين المظلمة، التي لم ترأف بعمره ولا سلميته، وهو الأمر المعهود عن النظام الحاكم بسيف الاستبداد والتسلط.

العلم والنهج الرسالي المقارع للاستبداد

لسماحة الشيخ الراضي، مسيرة علمية انطلقت منذ صغره، فلم يحتمل مناهج الوهابية الرسمية في الكتب ومراحل التعليم الأولى، ما دفعه إلى التوجه للدراسة في النجف الأشرف، إذ بعد بدء دراسته في الخامس ممن عمره فيما يسمى الكتاتيب لتعلم القرآن الكريم، والتحاقه في السابعة من عمره بالمدارس النظامية، وهناك واصل دراسته بتفوق عالي النظير حتى الصف الرابع الابتدائي، وغادر في عمر الحادية عشر من عمره ليتوجه نحو الدراسة الفعلية والهدف الأسمى الذي يرنو إليه، وعام 1967م، التحق بالنجف الأشرف، وبدأت المسيرة الأسمى من التعليم ونهل المعرفة، وانضم إلى دورة دينية مع السيد محسن الحكيم دورة الدينية، التي كانت بإشراف السيد الشهيد محمد باقر الصدر، وحينها درس المقدمات والسطوح، وكان يرتوي العلوم من قبل آية الله محمد صادق الصدر، وآية الله السيد محمد باقر الحكيم، وآية الله العظمى السيد محمد باقر الصدر، وآية الله العظمى السيد أبو القاسم الخوئي، آية الله السيد عبد الأعلى السبزواري، وآية الله العظمى السيد محمد حسين فضل الله وقد تأثر بمنهج السيد فضل الله كثيراً.

استكملت المسيرة وواصل سماحته العلوم، وبداية الثمانينيات توجه الشيخ الراضي إلى قم واستكمل دراسته في البحث الخارج عند عدد من المراجع العظام بمن فيهم آية الله السيد كاظم الحائري، وآية الله السيد علي الفاني، والعلامة حسن زاده آملي، وآية الله الشيخ جوادي آملي، والسيد الكلبيكاني.

على امتداد السنوات التي كان فيها ينهل من بحر العلوم الدينية، عمل سماحته في التدريس الحوزوي، منذ بداية دراسته في النجف الاشرف عندما كان يدرس المقدمات، واستمر في التدريس إلى أن رجع إلى الأحساء، وتولى الشيخ حسين الراضي مسؤولية حوزة أهل الأحساء والقطيف، واستمرت هذه الإدارة قرابة الخمس سنوات.

المفكر والباحث الديني استكمل رسالته العلمية بالعمل على تحقيق كتب وتأليف كتب أخرى، وله تقريرات لدروس أساتذته في النجف الأشرف وقم المقدسة، ومن كتبه المحققة: “المراجعات، النص والاجتهاد والفصول المهمة وجميعها للسيد عبد الحسين شرف الدين”.

ونتيجة المعضلات الاجتماعية ومحاولته مقاربة الدين أكثر للواقع الحياتي والاجتماعي، ألّف سماحته عدة كتب كان بينها “مشكلة الزنا.. أسبابها وعلاجها”، و”الزواج بناء المجتمع وسمو الحياة”، و”تاريخ علم الرجال”، إضافة إلى أبحاث بينها “أين قبر فاطمة”.

مشهدية متكاملة في حياة الشيخ الراضي، من تأدية الرسالة ومقارعة الطغيان والظلم والاستبداد والتمسك بنهج الحق مهما كانت الارتدادات الرسمية لذلك، خاصة وأن سماحته عرف بمواقفه التي تتخطى الحدود بنصرة المظلومين ووقف مع الحق ودفع لذلك حريته ثمنا، إلا أنه لم يبال، واستمر حتى وهو بين زنازين النظام النتنة والمظلمة التي تغيب عنها الرحمة والرأفة ولا يتسلل الضوء المحق إلى داخلها إلا عبر نوافذ ضيقة جدا، تحتم على كل الأحرار في العالم التحرّك من أجلا الضغط على نظام آل سعود المدّعي للإصلاح، من أجل الإفراج عن سماحته بما يعاني من وضع صحي مؤلم يسترعي اهتماما خاصاً لا يمكن أن يغيب عن واقع الحياة والمعاناة التي تكتنزها السجون الرسمية ذائعة الصيت، ويوجب على العالم تحريك قضايا المعتقلين من أصحاب الرأي الذين يدفعون سنين عمرهم خلف السجون بسبب موقف أو رأي أو نصرتهم لمظلوم، ما يجعل من قضاياهم مسؤولية في أعناق الجميع.

مرآة الجزيرة http://mirat0035.mjhosts.com/43527/