أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات و دراسات » الغرب أمام تحدي صراع المبادئ والمصالح … ✍د. سعيد الشهابي
الغرب أمام تحدي صراع المبادئ والمصالح … ✍د. سعيد الشهابي
د.سعيد الشهابي ... كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن

الغرب أمام تحدي صراع المبادئ والمصالح … ✍د. سعيد الشهابي

✍د. سعيد الشهابي

في الأسبوع الماضي (18 تشرين الأول/أكتوبر) انتقل إلى ربه المشير عبد الرحمن سوار الذهب، الرئيس السوداني الذي حظي بتقدير كبير عندما سلم السلطة إلى حكومة منتخبة في السودان برغم بريق المنصب. وبذلك التزم بوعد قطعه على نفسه لشعب ذلك البلد. ففي 6 نيسان/ابريل 1985 تقلد رئاسة المجلس الانتقالي بعد انقلاب عسكري في إثر انتفاضة ضد حكم الرئيس الأسبق، جعفر النميري، وبعد الانتخابات سلم السلطة في 6 أيار/مايو 1986 للصادق المهدي كرئيس للوزراء وأحمد الميرغني كرئيس لمجلس السيادة. قليل من السياسيين التزم بموقف أخلاقي على حساب الإغراءات المادية التي تمنعهم من ذلك. صحيح أن الزعماء الغربيين يسلمون السلطة لمن تفوق عليهم في الانتخابات البرلمانية، ولكن ذلك أمر يفرضه القانون ولا يستطيع السياسيون تجاوزه.

وفي غياب القانون الملزم قلما يرجح السياسي مبادئه على مصالحه الشخصية. فها هو الرئيس السوداني الحالي بعد حوالي 30 عاما يتشبث بمنصبه الذي حصل عليه بانقلاب عسكري على حكومة منتخبة في العام 1989.

أيا كان الأمر فإن تغليب المبادئ سلعة نادرة لا يلتزم بها إلا ذوو القيم العالية، ومنهم نيلسون مانديلا الذي اكتفى بدورة رئاسية واحدة بعد أن قاد ثورة شعبه إلى النصر على نظام الفصل العنصري. ويمكن القول أن الرغبة في توسيع النفوذ السياسي تنطلق في بعض جوانبها بدوافع اقتصادية ومصالح مادية. ويندر أن تبرز المبادئ كمرجح لصنع السياسات والمواقف. وما الحماس الغربي للدفاع عن الكيان الإسرائيلي برغم انتهاكه للمواثيق الدولية والقرارات الصادرة عن الأمم المتحدة ومجلس الأمن بعد حرب 1967 إلا بدوافع سياسية تستبطن نزعات اقتصادية مؤسسة على التركة الاستعمارية. أما التهافت الغربي على حماية نظام الحكم السعودي حتى بعد الجريمة الأخيرة غير المسبوقة في التاريخ الدبلوماسي الحديث فناجم، هو الآخر، عن جشع اقتصادي تتسابق الدول الغربية لضمان الحصول على شطر كبير منه. وطوال العقود الأخيرة رفض الغربيون مراجعة سياساتهم إزاء ما يجري في الجزيرة العربية. وهناك فصل واضح بين قطاعين ناشطين في الغرب: الحكومات ومنظمات المجتمع المدني. ففيما تقوم المؤسسات والمنظمات بترويج حقوق الإنسان والحرية والديمقراطية وإقامة حكم القانون والشفافية، فان الحكومات لها أولويات مختلفة. وهناك فصل تام بين القطاعين، ضمن تفاهم يقول بان على كل من الطرفين احترام الطرف الآخر وعدم التدخل في شؤونه. فالمنظمات لها الحق الكامل في التعبير عن مواقفها وإصدار تقاريرها وبياناتها (بدون أن تكون لها مخالب أو أنياب لتنفيذ قراراتها) ولا تسعى الحكومات للتأثير على عملها، وفي الوقت نفسه فللحكومات مساحتها الكاملة في تنفيذ سياساتها وعلاقاتها مع الدول، ولا يحق للمنظمات السعي لتعطيل شيء من ذلك.

إن تغليب المبادئ سلعة نادرة لا يلتزم بها إلا ذوو القيم العالية، ومنهم نيلسون مانديلا الذي اكتفى بدورة رئاسية واحدة بعد أن قاد ثورة شعبه إلى النصر

لم يشجع السعودية على ارتكاب أبشع جريمة شهدها العالم الدبلوماسي في العقود الأخيرة إلا الوفرة المالية التي تسيل لعاب الغربيين خصوصا مع تفاقم مشاكلهم الاقتصادية. وإذا كانت قضية قتل الإعلامي جمال خاشقجي قد فتحت أبواب النقاش في الدوائر الغربية بحثا عن صيغ للمواءمة بين الموقف السياسي والرغبة في المال السعودي، فأنها سلطت الأضواء مجددا على الصراع التاريخي بين المبادئ والمصالح. المبادئ كانت وما تزال همّا شغل البشر منذ بداية الخلق، وكان من اهتمام المفكرين والفلاسفة منذ أرسطو وأفلاطون، وتطور خلال القرون ولكنه لم يؤثر كثيرا في السلوك الإنساني. ومصالح الشعوب واحتياجاتها هي الهم الأول للحكومات التي ما فتئت تسعى لتحقيقها، وتتحايل على المبادئ كلما استطاعت إلى ذلك سبيلا.

ويندر أن يضحي سياسي بالمصلحة من أجل المبدأ، بل أن النظام السياسي المعاصر يقدم أبشع أمثلة للنفاق السياسي والأخلاقي. فلا يتردد السياسي عن مصافحة أيد ملطخة بدماء الأبرياء. بل أن بعض الحكومات الغربية يضلل الرأي العام بأن إصراره على العلاقة مع تلك الأنظمة «يتيح لها فرصة التأثير على سياسات تلك الدول»، بينما تؤكد التجارب بشكل قاطع أن الحقيقة مختلفة تماما. فماذا تعني مشاركة الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا في الحرب على اليمن برغم ثبوت ارتكاب جرائم حرب واسعة النطاق؟ حتى بعد مقتل خاشقجي لم تعلن واشنطن أو لندن أية خطوة عملية تعبر عمليا عن غضب حقيقي إزاء الجريمة الشنيعة التي ارتكبت.

ولم يشر أي منهما لاحتمال وقف تزويد السعودية أو الإمارات بالسلاح سواء للاستخدام ضد الشعب اليمني أم لقمع شعوبهما أم لتمكين النظامين من إضفاء الهيبة على الحكم وإدخال الرعب في نفس من ينوي معارضتهما.

مع ذلك برزت مواقف تحيد قليلا عن ذلك المنحى الذي يتجاهل المبادئ والأخلاق ويصر على تحقيق المصلحة المادية البحتة حتى لو كان ثمن ذلك استمرار شقاء الآخرين أو جوعهم أو مرضهم. وفي العامين الماضيين برزت مواقف بين الحكومات الأوروبية تدعو لوقف السلاح الذي يستخدم في الحرب على اليمن، ولكن أغلبها تعرض لضغوط إنكلو ـ أمريكية أو تهديدات مالية سعودية جمدت تلك المواقف. ربما كانت وزيرة خارجية السويد من أول من انتقد السعودية في أساليب تعاملها مع منتقديها. ففي التاسع من آذار/مارس 1915 قالت وزيرة الخارجية السويدية مارغوت فالستروم أنه تم إبلاغها بأنها لن تتمكن من إلقاء خطابها في ذلك اليوم أمام جامعة الدول العربية بمصر لأن المندوبين السعوديين لا يرغبون في ذلك. وفي أيار/مايو 2015 انتقدت السعودية واصفة إياها باستخدام أساليب القرون الوسطى إثر تأكيد حكم السجن والجلد بحق المدون السعودي رائف بدوي. وحذت كل من سويسرا والاتحاد الأوروبي حذو السويد بالمطالبة بفرض حظر بيع الأسلحة للمملكة العربية السعودية، وذلك احتجاجًا على الضربات الجوية التي تقودها السعودية، بالإضافة إلى الحصار البحري المفروض على اليمن منذ بداية العدوان. وفي الأسبوع الأول من سبتمبر الماضي أعلنت وزارة الدفاع الإسبانية عن إلغاء صفقة بقيمة 9.2 مليون يورو لبيع السعودية 400 قنبلة مسيرة بالليزر. وبعد أسبوع غيرت مدريد موقفها وأعلنت استعدادها للإفراج عن تلك الشحنة. وكانت كندا وألمانيا من بين الدول التي تحدث زعماؤها عن رغبتهم في وقف صادرات السلاح عن السعودية. ولكن اغلب تلك التصريحات لم يجد طريقه للتنفيذ.

ولكن يبدو أن الموقف تغير بعد قتل جمال خاشقجي قبل أربعة أسابيع. فقد تصاعدت الدعوات لوقف الصادرات العسكرية عن السعودية. وفي يوم الخميس 25 من الشهر الجاري اعتمد البرلمان الأوروبي قرارا يدعو الدول الأعضاء لفرض حظر أسلحة على السعودية على مستوى الاتحاد. وقبل يومين قالت وزيرة خارجية ألمانيا كارين كنايسل إن على الاتحاد الأوروبي وقف مبيعات الأسلحة للسعودية بعد مقتل الصحافي جمال خاشقجي مضيفة أن هذه الخطوة ستساعد أيضا في إنهاء «الحرب البشعة في اليمن»..وقالت كنايسل لصحيفة دي فيلت في إشارة إلى الاتحاد الأوروبي «إن وقف تسليم الأسلحة الذي اقترحته المستشارة ميركل سيكون إشارة سليمة». وكانت النمسا قد أوقفت بالفعل إرسال عتاد عسكري إلى المملكة في آذار/مارس 2015. أما فرنسا فقد تجاهل رئيس وزرائها إيمانويل ماكرون إلى حد بعيد الاحتجاجات ضد مبيعات الأسلحة التي يعتبرها ضرورية لتوفير الوظائف ولعلاقات فرنسا الإستراتيجية بالمنطقة. وبلغ إجمالي صفقات السلاح الفرنسية مع الرياض العام الماضي 1.5 مليار يورو (1.7 مليار دولار).

وبموازاة الاتحاد الأوروبي قال رئيس وزراء كندا جاستن ترودو يوم الخميس الماضي إن حكومته تراجع تصاريح التصدير للسعودية ومنها اتفاق مع المملكة لتصدير السلاح بقيمة 13 مليار دولار بعد مقتل الصحافي جمال خاشقجي. وأبلغ ترودو مؤتمرا صحافيا في أوتاوا «سنواصل العمل مع حلفائنا في أنحاء العالم من أجل الحصول على ردود أفضل عن هذا الحادث ونتحدث عن تبعاته… حكومتنا تراجع الآن تصاريح التصدير القائمة بالفعل للسعودية». وقال ترودو إن العقوبات قد تكون «بمليارات الدولارات».

جريدة القدس العربي

اضف رد