أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات و دراسات » *النظام السياسي في (المملكة)، دولة حضارية أم سلطة قبلية؟*
*النظام السياسي في (المملكة)، دولة حضارية أم سلطة قبلية؟*

*النظام السياسي في (المملكة)، دولة حضارية أم سلطة قبلية؟*

مكاشفات موضوعية حول مفاهيم الدولة والوطن والمجتمع في ما يسمى بذكرى اليوم الوطني

*الشيخ جاسم المحمد علي*

أبرز ما جاء فيها:

١/ التوحيد السياسي من قِبل عبدالعزيز بن سعود إلى يومنا هذا لم يجسد مجتمعا موحدا ولا دولة حضارية بل كان هذا التوحيد صياغة لسلطة قبلية تحمل ثقافة الاستعباد للمكونات الشعبية ..

٢/ السلطة السعودية لم تكن افرازًا لتغير مجتمعي في الداخل، ولم تنبثق مشروعيتها من الإرادة الشعبية العامة، بل جاءت هذه السلطة من منطق القوة والسيف والاكراه ..

٣/ المجتمع ليس قائما في تقسيمه على أساس أكثرية وأقلية، بل الحقائق تؤكد أنه مجموعة أقليات متنوعة تسعى الدولة إلى إخفاء المشتركات بينها؛ حتى لاتتحول هذه المشتركات بينهم إلى عامل ثورة وحركة وتغيير لواقع السلطة الواحدية المستبدة..

٤/ الانسان في الجزيرة العربية ليس مستعدا ان يلتف حول النظام ويحمي وجوده أمام التهديدات؛ لأنه نظام في نظر الشعب لا يعبر عن حقوقه وحرياته، ولا يحقق أهدافه وتطلعاته..

يحتفل النظام السعودي في يوم 23 سبتمر بعيده الوطني بوصفه يوما نظّم فيه عبدالعزيز بن سعود المناطق والأقاليم والمكونات تحت سلطة سياسية موحدة بعد حروب دموية قاتلة، ومعارك توسعية طاحنة استغرقت 3 عقود.
في هذا السياق، هناك سؤال جدي وأساسي عادة يتم تداوله في أروقة الدراسات التحليلية والنقدية للنظام السعودي، هذا السؤال هو :
هل هذا التوحيد السلطوي للمكونات تحت نظام سياسي محدد يكشف عن مصهر توليفي للمجتمع المتعدد في هوياته، في ضمن كتلة متجانسة في الهموم والتطلعات تفصح عن اندماج وطني مشترك يوفر متطلبات العيش الكريم من القيم والحقوق والحريات تكون الدولة القانونية معبرة عن الإرادة الشعبية العامة، ومتستجيبة لطموحها وقضاياها ؟ أم أن هذا اليوم الوطني في جوهره *لم يكن أبعد من الإعلان عن سلطة مركزية ذات طبيعة قبلية تعمقلت في المجال العام وتغولت في مفاصله الأساسية لتحكم المكونات الاجتماعية المختلفة في توجهاتها وثقافاتها وفق هوية فرعية خاصة قائمة على أساسيات العقيدة الوهابية وثقافة المنطقة النجدية وطموحات القبيلة السعودية من دون أن تنتقل بالمجتمع إلى ظاهرة الدولة والوطن والأمة*؟

الاستجلاء لهذه الحقيقة يحتاج إلى تبيين التالي:
1/ من الواضح لمن يطالع تركيبة السعودية المعاصرة في مستوياتها المختلفة، أنها لم تجسد مجتمعا متحدا بالمعنى الإنساني و الحضاري، فهي لم تكن تظهيرا لمعنى الأمة الواحدة في نطاق الجزيرة العربية؛ لأن السلطة السعودية واجهت إشكالية أساسية في تكوينها، حيث أنها لم تكتسب المشروعية من الإرادة الشعبية العامة، *بل لجأت منذ نشأتها إلى القوة الإكراهية الغاشمة.*

فالدولة لم تنشأ بصورة طبيعية كافراز لتغيير داخلي ومجتمعي، وإنما برزت كظاهرة انشقاقية في المجتمع النجدي، ثم الانتصار العسكري شجعها على مد أذرع سيطرتها الى المناطق المجاورة، وصولا إلى تكوين كيان سلطوي موحد له هويته الخاصة عام 1932 ويحمل اسم العائلة، لكنه لم يرسِ دولة وطنية لديها صفة التمثيل المؤسسي الحقيقي لارادة الشعب.

في هذا الإطار يتضح لدى الباحث ٱن فرضية الهوية الوطنية في السعودية ليست قائمة بناءً على المعايير العلمية والقانونية، كما تنفيها الأوضاع الميدانية؛ حيث أن سكان الجزيرة العربية كانوا منقسمين على ذاتهم في شكل أقليات مذهبية ومناطقية، وحدث قيام السعودية لم يفعل تغييرا جديا في البنى الثقافية والمجتمعي، بل ما حدث أشبه بترسيخ الواقع لضمان السلطة السياسية وتماسكها وليس تشكيل الأمة والمجتمع ..

ما يجدر التنبيه عليه أن الإرادة السياسية للنظام السعودي عندما *فشلت في فرض الهوية الوهابية والنجدية في المراحل الأولى من حكمه وسلطته*، لم تستطع بعد ذلك أن تعبر إلى تشكيل الدولة التي تنظم مصالح الأمة وتدفع المفاسد عنها، بل قامت مناشطها على تعزيز الانقسام الداخلي بوصفه خيارا ناجعا لوحدة السلطة ورسوخ أركانها وبقائها أمام أي ثورة وطنية محتملة تنهض للتغيير السياسي والمجتمعي.

هذا الخطاب الانقسامي لم يتغير مع مجيء سلمان وابنه مع ما رفعاه من شعارات ادعائية للمشاريع التغييرية والتطويرية، بل *عَبَرَ هذا الخطاب من ظاهرة الثنائية والثلاثية في تقسيم المناصب بين الأجنحة داخل العائلة المالكة إلى الظاهرة الواحدية المختزلة في البيت السلماني*، الأمر الذي زاد المسافة بعدا عن تحقيق الاشتراطات الجوهرية في تكوين ظاهرة الدولة الحديثة القائمة على المشاركة والتعددية وتوليد الشعور الجمعي العام.

2/ التفحص الموضوعي والتاريخي لنشأة السلطة السعودية، يكشف عن خصوصيات في مشروعها وتفكيرها، منها:

أ/ أنها قائمة على التملك السلطوي المطلق للأرض والمقدرات والإنسان وفق مزاعم تاريخية خاصة بها.

ب/ الاقصاء الممنهج لكل من يختلف عنها في التوجه الديني، والتصور السياسي، إلى درجة أن العمليات الإصلاحية في أدبياتها ليست على سبيل القضاء على الفساد والتخلف والانحطاط، بل العمل الإصلاحي تتعامل معه الطبقة الحاكمة بوصفه تكريسا لسلطتها وفق حلة جديدة.

ج/ أنها روجت بشكل ممنهج ومدروس أن سكان الجزيرة العربية ينقسمون إلى أكثرية وأقلية!

هذه الصورة المهيمنة(أكثرية وأقلية) على العقل الاجتماعي في السعودية ليست صحيحة، فسكانها ليسوا أكثرية وأقلية؛ *لأن ما تؤكده البراهين والحقائق أن المكونات الشعبية في الساحة الجزيرية عبارة عن مجموعات متفاوتة الحجم وبخصائص شديدة الانفراز*، الأمر الذي يدفعنا إلى مواجهة هذه الدسيسة السياسية والاعلامية بالتأكيد على أن تقسيم المجتمع الصحيح قائم على كونهم أقليات متعددة، والدولة تعمدت نفي صناعة المشترك بينها على قاعدة الحقوق والاهداف والطلعات، والدولة اليوم بسبب غليان هذه الأقليات بفعل أدائها الاستعبادي والاستبدادي للمجتمع تخشى من النزعات الانفصالية، والحركات الاعتراضية، والاعتصامات السياسية.

٣/ الدولة تعرف أن المآزق الداخلية المستمرة التي تهدد وجودها تعود في جذورها إلى *افقارها المجتمع الى الأسس الوطنية المشتركة بين أقلياته ومكوناته.*

في هذا السياق هي ارتأت أن العلاج يكمن في افتعال العدو الخارجي الذي يمكن – في نظرها – أن يصنع هاجسا مشتركا بين الفئات الشعبية، فيجمع الطاقات المتبعثرة حولها، وهي رجحت هذا العلاج على استيعاب التشظي ببناء داخلي رصين في ساحة الاجتماع والسياسة بالشكل الذي ينقل الجزيرة العربية من طوائف متباعدة إلى مجتمع متلاحم يقف على طريق النهضة والتقدم..

لكن اليوم الانسان في الجزيرة العربية بسبب الإحباط والبؤس الذي يعيشه بفعل سياسيات النظام التمييزية والتجهيلية والاقصائية، *لم يعد مستعدا ان يلتف حول النظام ويحمي وجوده أمام التهديدات والرهانات*.
من هنا سعى النظام السعودي بسبب ضعف الإيمان الشعبي به، وفي ظل غرقه العميق في بحر الحروب والأزمات، إلى أن يبقي التحالف الاستراتيجي مع الاستكبار فاعلا وحيويا، ليساعده على مواجهة الأزمات والتحديات، واليوم بسبب القرار الأساسي الذي اتخذته أمريكا بشأن الانسحاب من المنطقة لأسباب متعددة، جاءت السعودية لتعيد انتاج التحالفات الدولية والإقليمية، وتجعل التطبيع مع الكيان الصهيوني محورها الرئيس، وذلك في سياق البحث عن حليف أمني وعسكري يمكن ان يساعده أمام أي ثورة وطنية تسعى للتغيير، ومحور المقاومة في المنطقة .. هذا المحور الآخذ في الاتساع والاتتشار والتعاظم.

لكن ما يحتاج ان نقوله هو: ان السبيل لمواجهة هذه المعادلة السعودية الظالمة .. *هو فعل التغيير، واحياء عناصر القوة وجمعها وتثميرها*، وبلا شك أن التغيير لاينطلق من الرؤية السياسية المترهلة والبائسة، ولا الإحساس بالضعف، بل يحتاج الى روح ترتفع الى مستوى التحدي والمواجهة، وترسخ الاعتقاد بأن المستقبل طوع الحركة والإرادة، وأن البصيرة بالفرص وديناميات التغيير وأهدافه هو الذي يعبد الطريق الى علياء القيم.