أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات و دراسات » بعد ٣٠ يوماً من حصار #العوامية: إرهابيون أم مستهدفون بإرهاب دولة؟
بعد ٣٠ يوماً من حصار #العوامية: إرهابيون أم مستهدفون بإرهاب دولة؟

بعد ٣٠ يوماً من حصار #العوامية: إرهابيون أم مستهدفون بإرهاب دولة؟

تتعرض هوية الطائفة الشيعية في القطيف والأحساء إلى عملية تدمير ممنهج, لا تزال مستمرة منذ دخول بن سعود إلى الخط وهجر (القطيف والأحساء) وحتى يومنا.. أدلة وقرائن عدة تثبت أن ما تمارسه السلطة السعودية بحق الأهالي هو عملية مسح للوجود والهوية الشيعية من المنطقة،،،

يمر المكون الشيعي شرق الجزيرة العربية بأزمة وجود حقيقية لأسباب سياسية وطائفية. وتُمارس سياسة الإقصاء للمكون الشيعي بشكل عام من قبل مصادر القرار السيادية وسياسة التهميش من قبل بقية المكونات الإدارية والإعلامية. هذه الأزمة ما فتئت تفتك بالمجتمع الشيعي وثرواته ومقدراته وهويته منذ أكثر من ١٠٠ عام حين وقعت الأحساء والقطيف تحت هيمنة بن سعود، حيث تشير الأحداث المتلاحقة والظروف التي تمر بها المنطقة إلى وجود خطة طويلة الأمد تستهدف تذويب الوجود الشيعي وإضعاف تأثيره السياسي للقضاء على حقه التاريخي في الوجود والإنتفاع من مقدرات وخيرات أرضه.

ورغم امتداد الظلم والجور والتخويف والترهيب حتى شمل مجمل حياة المكون الشيعي لأكثر من مئة عام إلا أن هذا المكون للأسف لم يحصل على دعم حقيقي يساعده على الخروج من هذه المحنة المستمرة ولا من الأزمات المتلاحقة التي تعصف به بين الفينة والأخرى، وكان أقساها وأشدها ألماً ما حدث بعد أحداث البقيع في ٢٠٠٩ حتى يومنا هذا من ظلم وانتهاك وتجييش وتهجير وقتل وإعدام للمكون الشيعي في الساحل الشرقي لجزيرة العرب بشكل أخص.

الشيعة شرق جزيرة العرب (القطيف والأحساء):

تتعرض هوية الطائفة الشيعية في القطيف والأحساء إلى عملية تدمير ممنهج، هذه العملية لا تزال مستمرة منذ دخول بن سعود إلى الخط وهجر (القطيف والأحساء) وحتى يومنا، وهناك أدلة وقرائن عدة تثبت أن ما تمارسه السلطة بحق الأهالي هو عملية مسح للوجود والهوية الشيعية من المنطقة.

وهنا بعض القرائن بإجمال:
1.نقل الميناء التجاري الذي كان يشكل عصب المنطقة في زمنه إلى مدينة الدمام التي لم تكن قد وجدت قبل ١٠٠ عام.
2.تأسيس مدينتين ضخمتين من العدم (الخبر والدمام) وتوفير المرافق الخدمية والتجارية في المدينتين المذكورتين وتجاهل تنمية منطقة القطيف والأحساء.
3.بعد استكمال هذا المخطط تم التضييق على أهالي القطيف والأحساء في بناء الأراضي والمخططات السكنية حتى يضطروا إلى إيجاد سكن خارج مناطقهم. وتم ذلك على خطوات آخرها هو في العام ٢٠١١ عبر تقليص الحدود الإدارية لمنطقة القطيف. ومنع البناء أو إعادة البناء في أكثر من ٩٠٪ من أراضي القطيف بدون إذن شركة أرامكو البترولية.
4.توظيف أهالي القطيف في أماكن بعيدة حتى يضطروا للخروج من القطيف طلباً للرزق.
5.تدمير البيئة البحرية وقد شارفت على التلاشي بسبب دفن البحر وتدمير واقتلاع أشجار المنجروف التي تعتبر حواضن طبيعية لتوالد الأسماك إضافة إلى إفراغ شبكات الصرف الصحي (المجاري) في شواطئ البحر وإفراغ مخلفات المصانع الكيماوية في البحر كذلك.
6.تدمير البيئة الزراعية بشكل شبه كلي وقد تم تنفيذ هذا المخطط على جزئيات متفرقة:
أ- منع الأهالي من البناء واستصلاح الأراضي البيضاء التي تلي مناطق الزراعة والسكن، مما اضطرهم لتجريف مزارعهم لتوفير مساحات للبناء.
ب- عدم معالجة المشاكل والأمراض الزراعية بالطرق الصحيحة حيث ضربت السوسة مساحات كبيرة من بساتين النخيل مما حدى بالسلطات السعودية إلى قلع وتجريف الكثير من النخيل المتضررة والغير متضررة بدل علاج المشكلة بالطرق العلمية المعتمدة.
ج- بديلاً عن سحب المياه من البحر تم سحب المياه الجوفية من العيون لسد الفراغات الأرضية التي يخلفها سحب النفط من باطن الأرض وقد بقيت هذه العملية مستمرة لسنوات حتى جفّت العيون مما أدى لجفاف التربة وتدمير مساحات شاسعة من البيئة الزراعية في القطيف.
7.التحريض في الإعلام الرسمي على الشيعة والدعم للأنشطة التي تحارب الشيعة والتشيع.
8.وصم الشيعة بالكفر والشرك في مناهج التعليم الرسمية.
9.منع بناء المساجد والحسينيات في كل الأماكن حتى على نفقة الشيعة أنفسهم، رغم أن السلطة السعودية هي من تبني المساجد للطوائف الأخرى، ومحاربة إقامة الشعائر الدينية الشيعية بشكل علني وواضح قد يؤدي إلى السجن إلا في المناطق ذات الأغلبية الشيعية الساحقة.

وهناك ما لا يقل عن ما ذكر وتفاصيل كثيرة تكشف وجود إجحاف حقيقي وحرمان متعمد للمناطق الشيعية من الحق في التنمية والميزانيات الرسمية وتهيش في التعيينات الوظيفية واقصاء من الوظائف السياسية والعسكرية والأمنية والمناصب الحساسة وحتى بعض الوظائف المدنية، حيث لا يوجد ولا طيار مدني شيعي واحد في “السعودية”.

هذه الممارسات الإقصائية والتدميرية بالإضافة إلى دخول درع الجزيرة لانتهاك الحرمات في البحرين دفع الكثير من الشباب المدفوع بحماسة الربيع العربي إلى النزول للشوارع للمطالبة بمزيد من الإصلاحات والحريات الدينية والحقوق المدنية والسياسية وبخروج درع الجزيرة من البحرين.

حاولت السلطة السعودية في بداية الحراك إيقاف التجمعات الشبابية عبر استخدام محورين: رجال الدين، والوجاهات المحلية لما لهذين المحورين من نفوذ اجتماعي وتأثير قوي على الساحة الاجتماعية وقد نجح هذا المخطط في تضعيف الحراك وتحييد

الكثير من أفراد المجتمع مما سهل على السلطة تحجيم الحراك في مناطق محددة من القطيف، ثم عملت السلطة وفق خطة أمنية على نقل الحراك من القطيف (المركز) ليكون في بلدات متفرقة لإضعافه إلى أن انتهى بعزله تماماً في منطقة العوامية.

تبعات عزل الحراك في منطقة العوامية:

أصبحت العوامية هي المركز الرئيسي للحراك وأيضاً مركز المطالبة بالحقوق مما حدى بها أن تدفع الثمن الأكبر من الشهداء والمصابين والسجناء والمطلوبين. وقد قدمت العوامية أكبر عدد من الشهداء منذ بدء الحراك ولا تزال تنزف حتى يومنا هذا.

أكبر الضربات التي تلقتها العوامية كانت محاولة إلصاق الإرهاب بها وتشويه صورتها من خلال شيطنتها في الإعلام المحلي والعالمي، ومن ثم إبراز المشكلة الحقوقية في المنطقة على أنها مشكلة أمنية للنجاح في عسكرة المنطقة وإيجاد الشرعية والمبررات لقمع كل من يطالب بحقوقه بحجة الإرهاب أو الإخلال بالأمن.

وقد عملت بعض الفئات المحلية لزرع هذه الأفكار في الوعي الباطن عند عامة الناس لتحييد مناطقهم وتجنيبها أثر الحملة العسكرية التي وصفتها السلطة السعودية بالـ “حملة الأمنية” فتسابق البعض منهم على تسمية أبناء العوامية بـ”دواعش الشيعة” والمتطرفين تارةً أو حتى بالطائفيين تارةً أخرى.

وكانت تبعات هذه الحملة الإعلامية أن أعدم الرمز الشيعي آية الله الشيخ النمر بعد محاولة إلصاق تهمة الإرهاب به محلياً ودولياً وعلى الرغم من فشل الحلملة الدولية ـ بسبب وضوح منهج الشيخ النمر المنادي بالسلمية في المطالبة بالحقوق ـ إلا أن الحملة المحلية نجحت لشراكة بعض الفئات المحلية الشيعية في تبنيها والترويج لها.

لكن ما تكشف لشيعة المنطقة ككل بعد الإعدامات وبعد الهجمة العسكرية الأخيرة على العوامية لم يترك لدى الأغلبية مجالاً للشك بأن العوامية ليست هي الوحيدة المستهدفة وإنما الوجود الشيعي ككل مستهدف ولا ينبغي لأحد تزييف الواقع المعاش بشكل أو بآخر بحجة الحفاظ على الطائفة، فما يمارس ضد الطائفة اليوم هو استهداف صارخ لوجود الطائفة وهويتها ضمن حملة شاملة على الصعيد الإعلامي, السياسي, العسكري والأمني.

الهجمة العسكرية الأخيرة (مسمار جحا):

لم تجد السلطة السعودية أفضل من “المسوّرة” لتتخذ منها “مسمار جحا” فصارت تقتحم العوامية يومياً بمركباتها المدرعة المدججة بالسلاح لتعيث فيها قتلاً وفساداً وتدميراً من مداهمة بيوت المسلمين والتعدي على حرماتهم وإطلاق الرصاص بشكل مستمر واسخدام الأسلحة المتوسطة كالآر بي جي والقذائف الحارقة الفسفورية (المحرمة دولياً).

والآن تُكمل العوامية يومها الثالث بعد الشهر من الهجمة العسكرية والحصار الذي لم ينتج أي تنمية ، مدعاة زوراً وبهتاناً، وإنما أنتج خراباً ودماراً للبلدة وللمتلكات وإزهاقاً للأرواح والأنفس مما يُعد النقيض تماماً لما ادعته السلطة قبل البدء في حملتها العسكرية الموسّعة داخل العوامية.

نتائح الهجمة العسكرية على العوامية:

أسفرت الهجمة العسكرية الشرسة على العوامية عن خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات وما تزال الخسائر تتفاقم حتى يومنا هذا ، وعلى الرغم من تماسك الأهالي مع بعضهم في هذه المحنة ومحاولتهم تخفيف حدّة الاحتقان وحث السلطة السياسية على تفعيل صوت العقل والحكمة، إلا أن السلطة ماضية في انتهاكاتها وبتوسع واضح حيث قتلت خلال الحصار 10 أشخاص بينهم طفل رضيع عدا الإصابات الخطيرة التي رصد بعضها في الرأس والكتف والتي تدل على الاستهداف المباشر للقتل من قبل القوات السعودية.

وعلى صعيد الممتلكات فقد تضرر أكثر من ٤٩ محلاً تجارياً برصاص القوات السعودية وسجلت أكثر من ٧ حالات حرق متعمد لمحلات تجارية إما باستخدام القذائف الحارقة أو بسبب كثافة الرصاص الموجه لتلك المحلات، والجدير بالذكر أن أغلب المحلات تم استهدافها في غير أوقات الدوام الرسمي.

أما بالنسبة للمنازل والعمارات السكنية فقد رصد حتى الآن حرق ثلاثة منازل وعمارتين وتضرر ما يزيد عن ٣٠٠ واجهة منزلية وقد تضرر أكثر من ٧ منازل بحيث لم تعد قابلة للسكن إلا بعد إعادة الترميم وذلك بسبب اختراق الرصاص من نوع عيار ٩٩ ملم لجدرانها مما خلف فجوات ودمار داخلي كبير.

تلك المنازل لم تكن وحدها المستهدفة خلال هذه الهجمة فقد استهدف ما يزيد على ١٠٠ سيارة مدنية وتضررت بشكل لا يسمح باستخدامها إما بسبب احتراقها نتيجة اطلاق القوات السعودية النار على خزانات الوقود أو بسبب الإعطاب الكلي بكثافة الرصاص الذي استهدف هياكل ومحركات السيارات مما يجعل عملية الإصلاح ذات كلفة عالية أو غير ممكنة.

لم تنته أيام الهجوم ولا الحصار على العوامية، ولم تنتهي الحكاية ببلدة كتُب على أهلها تجرع قسوة المعاناة وملازمة الرعب والهلع لأطفالها ونسائها، فقد استفرد بهم جيش مجهز بأحدث الأسلحة، مدجج بعقيدة وتعبئة أيديولوجية تستمرء الحقد الطائفي، الذي يفضحه ما ينشره أفراده في وسائل التواصل الاجتماعي، جيش لا يخجل ولا يخشى التعبير عن استمتاعه بقتل ونحر وسحق رؤوس أهالي العوامية وتهجير من نجا منهم من آلة القتل.. كل ذلك قربة لآلهة الحقد التي لم يعرفوا رباً سواها.

لا تزال كثير من أحياء العوامية تعيش بلا كهرباء ـ حتى لحظة كتابة هذا التقرير ـ فقد حرمت المدينة من الحياة الآدمية عبر منع وإلغاء كافة الخدمات الأساسية فلا مستشفيات أو مستوصفات طبية ولم يستثنى من ذلك حتى المستوصفين اللذين كانا يشكلان العصب الوحيد للعناية الطبية للشيوخ والأطفال في البلدة، ولا مدارس أو رياض أطفال، ولا خدمات بلدية كالنظافة ورفع النفايات والقمامة، ولا مراكز للدفاع المدني الذي منعت طواقمه من دخول البلدة لإطفاء أي حريق، كما أجبرت فرق الإسعاف التي حوصرت عند حدود العوامية على العودة من حيث أتت، ناهيك عن منع دخول شركات التموين الغذائي ودوريات المرور وشركات التأمين وإلغاء الخدمات البنكية.

وختاماً يبقى السؤال الملح معلقاً هل أهالي العوامية إرهابيون أم مستهدفون بإرهاب دولة؟