أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات و دراسات » دروس في الوعي والإرادة من فلسطين …✍د. سعيد الشهابي
دروس في الوعي والإرادة من فلسطين …✍د. سعيد الشهابي
د.سعيد الشهابي ... كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن

دروس في الوعي والإرادة من فلسطين …✍د. سعيد الشهابي

✍د. سعيد الشهابي

ما حدث في الأسبوعين الماضيين على الساحة الفلسطينية يدفع باتجاهين مختلفين تماما: فهو يؤكد أن 70 عاما من الاحتلال الإسرائيلي وما حظي به من دعم غربي متواصل وغير مسبوق لم يحسم الموقف لصالح المحتلين وداعميهم، وأن الشعب الفلسطيني ما يزال متمسكا بأرضه ومستعدا لتقديم التضحيات من أجلها. ومن جهة أخرى فأن ردود الفعل العربية تصيب المرء بالكآبة لغياب المواقف المسؤولة ليس من جانب الأنظمة فحسب، بل حتى من الشعوب نفسها. فأين هي المشكلة حقا؟ وما طبيعة خريطة التوازنات الايديولوجية والسياسية التي أدت لهذا التغير في المزاج العام بعيدا عن الاهتمام بقضايا الأمة خصوصا قضية فلسطين؟

جاءت مسيرات العودة العملاقة لتؤكد حقائق عديدة: أولها أن هناك جرائم لا تتساقط بالتقادم. فكما أن جرائم القتل والتعذيب تبقى قائمة تطارد مرتكبيها، فأن الاحتلال هو الآخر يبقى احتلالا وأن سعى لتغيير الحقائق على الأرض، سواء بامتلاك القوة العسكرية الهائلة أم تغيير طبيعة الأرض وقضم المزيد منها، أم بتشريد السكان الأصليين أم باستقدام المستوطنين من كافة أصقاع الأرض، أم بالتحالف مع قوى الاستبداد والظلم من الدول المجاورة التي لا تحظى بدعم شعوبها وتسعى للبقاء عبر توافقات وتحالفات حتى مع الشيطان من أجل البقاء. ثانيها: أن الشعب الفلسطيني اثبت إنسانيته للمرة الألف وتشبثه بأرضه وتوارث تلك المشاعر عبر الأجيال.
فالسبعون الذين استشهدوا هذه المرة كانوا أطفالا، ربما من الجيل الثالث أو الرابع بعد الاحتلال. هذا يعني أن التمسك بمبدأ التحرر والشعور بالانتماء للأرض والثقة الراسخة بحتمية النصر وعودة الحق لأهله، قد اختلط بالخريطة الجينية لتلك الأجيال، وأن الاحتلال لا يملك من القوى سوى المادي منها. ثالثها: أن دماء الشهداء أبلغ من كافة أسلحة الاحتلال وأعوانه. وأن سقوط شهيد واحد يرسم في الأرض والذاكرة والضمير عنوان القضية التي استشهد المرء من أجلها. يتساوى في ذلك محمد الدرة الفلسطيني ورايتشيل كوري الأمريكية ومحمد جمعة الشاخوري. هؤلاء جميعا سقطوا من أجل فلسطين. كما لا يختلف في ميزان الشهادة من سقط اغتيالا في المنافي سعيد حمامي (لندن 1978) أم خليل الوزير (ابوجهاد، تونس 1988) أم أبو علي أياد (الأردن 1971) أو محمود المبحوح (الإمارات 2010) أو من أي من السبعين الذين استشهدوا في مسيرات العودة هذا العام داخل فلسطين نفسها. هؤلاء جميعا سقطوا شهداء على طريق تحريرها. ثالثا: أن قضية الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين أظهرت حقيقة مذهلة يفضل الطغاة وحكام الجور وقوى الاحتلال عدم التفكير الجدي فيها، وهي أن القوة العسكرية الإسرائيلية والهيمنة السياسية الغربية والتواطؤ الدولي منذ الاعتراف بقيام كيان الاحتلال، كل ذلك لم يستطع التأثير على الرأي العام الدولي، ماضيا وحاضرا. فما تزال شعوب العالم تقف مع الشعب الفلسطيني وترفض الاعتراف بالكيان الإسرائيلي برغم الاعتراف الرسمي من قبل الأنظمة. هذا الاعتراف إنما جاء استجابة للضغوط من بعض الأنظمة العربية المتخاذلة التي تستخدم المال النفطي الهائل لفرض أجندتها على الأنظمة الفقيرة والانتهازية. وما الاحتجاجات التي خرجت في عواصم العالم في الأسبوعين الماضيين احتجاجا على الجرائم الإسرائيلية إلا تأكيد لحقيقة أن دماء الشهداء أقوى أثرا من سلاح المحتلين والغزاة.

سبعون عاما هي عمر الاحتلال، وكذلك عمر صحوة الضمير الفلسطيني الذي توارثته الأجيال منذ النكبة، مرورا بالنكسة وصولا إلى العدوان المستمر الذي تشارك فيه هذه المرة أنظمة عربية، أما بالتواطؤ العملي أم التطبيع مع كيان الاحتلال، أم فتح الأجواء لعبور طيرانها، أم ضرب قوى المقاومة للاحتلال، أم استغلال المليارات النفطية لإنشاء إمبراطوريات إعلامية تهدف لتخدير الشعوب العربية وإبعادها عن الشعور بالانتماء للقدس وقضية فلسطين، أم فرض قوانين صارمة تستهدف من يتعاطف مع القضية أو يقف ضد السياسات العدوانية لهذه الأنظمة. محور الشر والفساد هذا يسعى لفرض أجندات إيديولوجية وسياسية على أمة العرب والمسلمين، لإبعادهم عن القضية الأساس التي توحدهم وتجعلهم قوة عملاقة. ومنذ سبعة أعوام تحرك تحالف لقوى الثورة المضادة لمواجهة الشعوب العربية المطالبة بالحرية والعدالة والديمقراطية، بوحشية غير مسبوقة، فاكتظت السجون بعشرات الآلاف من فرسان الميادين، وتشكلت نواة «التحالف» لتمارس بلطجة سياسية وأمنية وإيديولوجية ودينية . استهدف هذا التحالف المجموعات الإسلامية والوطنية المعتدلة ذات الامتداد التاريخي والشعبي، وفرض قوانين الإرهاب الخاصة به لتستهدف النشطاء الذين رفضوا مسايرة المشاريع الثقافية والسياسية الهادفة لتدمير الأمة التي كانت الرديف الأقوى لقضية فلسطين، وتحالفت، للمرة الأولى منذ سبعين عاما، مع قوات الاحتلال بوقاحة مكشوفة عبر عنها أحد وزراء خارجية دول هذا التحالف عندما أطلق اخطر تصريح دافع فيه عن «حق إسرائيل في حماية أرضها» متجاهلا فلسطين وأرضها وأهلها. وللمرة الأولى بعثت دولتان من هذا التحالف فريقيهما للمشاركة في سباق الدراجات بضيافة قوات الاحتلال. وشهدت السنوات السبع الأخيرة سعيا متواصلا لتغيير بوصلة الأمة وافتعال ساحات جديدة للخلاف والقتال غير فلسطين، فقامت الحرب العدوانية على اليمن التي تعاني أكبر كارثة إنسانية في الوقت الحاضر، وبذلت المليارات لاستهداف إيران بدعاوى مازجت ما بين السياسة والدين، تم التخلي عن بعضها مؤخرا، واعتبرت دولة قطر عدوا لدودا يتجاوز في خطره «إسرائيل» التي تحتل أرض المعراج وترتكب المجازر اليومية بحق شعبها. أنها انقلابات متواصلة على ثوابت الأمة ومحاولات لا تتوقف للتأثير على مفاهيمها وقيمها. والهدف الذي أصبح معروفا لدى شرفاء العالم حماية الاحتلال والتطبيع معه، وضرب مشاريع التغيير السياسية الهادفة للقضاء على الاستبداد والفساد.

سبعون شهيدا من فلسطين هذه المرة التي لم يتجاوز الحراك فيها خروج مسيرات سلمية على الحدود بين غزة وبقية أرض فلسطين المحتلة. تساقط الشهداء، الواحد تلو الآخر، برصاص الاحتلال، وشاهدت شعوب العالم على شاشات التلفزيون مجازر رهيبة هزت الضمائر وأعيت القلوب. وحدها كانت الولايات المتحدة، على لسان ممثلتها لدى الأمم المتحدة، تكيل المديح لـ «إسرائيل» التي «تصرفت بضبط أعصاب» لأنها قتلت المتظاهرين بالرصاص الذي أطلقه قناصتها من الدبابات أو الطائرات العمودية ولم تطلق عليهم قنابلها النووية. مشاهد الأمهات الفلسطينيات وهن يندبن أبناءهن هزت مشاعر العالم، ولكنها لم تؤثر على المسؤولين في دول تحالف المتفرعنين. لقد صمت هؤلاء على واحدة من كبريات الجرائم الأمريكية: نقل سفارة الولايات المتحدة من تل أبيب إلى القدس. تميزت تركيا وجنوب أفريقيا بموقفيهما إذ سحبتنا سفيريهما لدى الكيان الإسرائيلي. بينما لم تفعل مصر أو الأردن ذلك. وبدلا من وقوف مصر مع قوى المقاومة الفلسطينية مارست ضغوطا على المجموعات الفلسطينية خصوصا حماس لوقف مسيرات العودة التي أعادت قضية الاحتلال إلى الواجهة مجددا، الأمر الذي يرى فيه التحالف الرباعي مع أمريكا تقويضا لجهود التسوية والتطبيع مع «إسرائيل».

الأمر الذي أزعج هذا التحالف أن هذا التطور الخطير جاء ردا قويا على نقل السفارة الأمريكية الذي حظي بمباركة صامتة من دول التحاف الرباعي التي لم تصدر أي احتجاج ذي أثر، وكأن شيئا لم يحدث. هذا الاحتضان للرئيس الأمريكي ومشاريعه وسياساته يناقض مواقف دول العالم وشعوبها التي لا تخفي انزعاجها من سياسات البيت الأبيض منذ وصول ترامب إليه.

الحقيقة أن استمرار الوعي والإرادة لدى أهل فلسطين سيظل العقبة الكأداء التي تتكسر عليها أحلام المحتلين والطامحين للهيمنة على العالمين العربي والإسلامي، سواء بالقوة العسكرية أم المال النفطي الذي تحرم منه الشعوب ويجد طريقه للخزانات الغربية.

جريدة القدس العربي

اضف رد