أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات و دراسات » ١٧ فبراير مشعل الثورة في القطيف
١٧ فبراير مشعل الثورة في القطيف

١٧ فبراير مشعل الثورة في القطيف

١٧ فبراير شباط/فبراير ٢٠١١، ليس كأي يوم بالنسبة لأبناء القطيف، هو يوم الإنتفاضة، والإنطلاقة التي لن يثنيها شيء، هو الذاكرة الحية التي تجمع أهالي المنطقة على ما يتفقون عليه جميعاً وهو التغيير والرغبة بواقع أفضل، وهو فخر القطيف وإرثها الذي سيتداوله جميع أبناء الجيل الحالي، وينقله لأبناء الأجيال القادمة، تماماً كما نقل أبناء الجيل السابق إرث انتفاضة محرم ١٩٧٩.

من عقر دار الطغيان، وعلى مرأى من أعين جلاوزة آل سعود، فجّر الشيخ الشهيد نمر باقر النمر، ثورة هزّت أركان النظام السعودي، وقهرته بسيف الكلمة وشجاعة الموقف، بعدما كان يظنُّ أنه لا يقهر.

سرعان ما انتقلت ثورة النمر التي بقيت حبيسة روحه لأعوام طوال، إلى الملأ، فتهافت الناس إلى مجالسه، وهم يتعطشون إلى حكمته وشجاعته، ففتح لهم ذراعيه ومضى أمامهم حاملاً بيده مشعل الحرية ليسيروا خلفه من مختلف المناطق والأعمار.

وهنا، تشابكت أيدي الفقير بالغني، الكبير بالصغير، وسار النساء والرجال جنباً إلى جنب بصوت واحد وموقف واحد ألا وهو صوت الحق والحرية والعدالة.

على رأس لائحة المطالب التي رفعها المحتجون كان الإفراج عن “التسعة المنسيين” الذين تعتقلهم السلطات السعودية بتهمة “تفجير الخبر”، بالإضافة إلى المطالبة بحق المساوة بين جميع أبناء الوطن، وإلغاء التمييز السياسي والإداري ضد الشيعة، وتغيير شكل النظام الحالي للحكم الذي يتيح لأسرة واحدة التحكم بكافة شؤون البلاد وسياساتها الداخلية والخارجية وأوضاع شعبها، وهو ليس بالأمر العسير إذا ما اتحد الشعب ضد الطغيان وظلّ ثابتاً على كلمة واحدة وموقف واحد حتى النهاية.

في تلك الأثناء، دخلت قوات “درع الجزيرة” إلى البحرين، لقمع التحرّك السلمي المُطالب بمملكة دستورية، فسرعان ما أدت هذه الحادثة إلى اشتداد زخم الإحتجاجات الشعبية والغضب الجماهيري في القطيف، للمطالبة بإخراج هذه القوات من البحرين، في مشهدية جسدت الوحدة التاريخية والشعبية لأبناء كلا البلدين ما قبل التقسيم الذي أحدثه الإستعمار البريطاني في مختلف أنحاء المنطقة.

يوماً بعد كانت تزداد شرارة الإحتجاجات والمسيرات الحاشدة التي انطلقت في مختلف مناطق القطيف، إلا أن هذا المشهد الثوري لم يروق لقوات آل سعود فعمدوا إلى الإعتقالات التعسفية بحق ذوي الرأي والنشطاء، وتصفية المشاركين في التظاهرات، حتى حوّلوا منطقة القطيف إلى ثكنة عسكرية، نشرت فيها نقاط تفتيش عند المداخل، وجرى حصارها بمئات المصفحات والمدرعات العسكرية.

وعلى إثر هذا الترويع ارتقى عددٌ من الشهداء أثناء تواجدهم في المسيرات وأثناء اقتحام السلطات بمدرعاتها المنطقة وإطلاقها الرصاص العشوائي على المواطنين أو القتل المتعمد.

لم تنته عمليات الترهيب التي تعرض لها الأهالي في القطيف هنا، إنما امتدت إلى السجون التي اقتيد إليها كل من شارك في تظاهرات ٢٠١١، وكل من أيّد ودعم هذه التظاهرات، إذ لا تزال المداهمات مستمرة حتى هذه اللحظة للإنقضاض على شاب جديد واقتياده مكبلاً إلى السجن بتهمة المطالبة بحقوقه البديهية في العيش الكريم.

وحكايات السجون السعودية لمن يعرفها لا تقف عند حد، ولا يردعها وازع، ولا يشبعها جرم، ففضلاً عن التعذيب الممنهج الذي يتعرض له السجناء والظروف الصحية والإنسانية السيئة التي يعيشون فيها يتم تهديد جميع أفراد عائلك المعتقل بالقتل والسجن إذا لم يعترف باتهامات لم يرتكبها حتى يدان بها. تمكّن النظام السعودي أيضاً في سياق جهوده الخبيثة لإجهاض الإنتفاضة، من تشغيل ماكيناته الإعلامية بالتعاون مع الأجهزة الأمنية، للعمل على تشويه صورة المتظاهرين في القطيف وشيطنة الحراك، واستنهاض العصبيات المناطقية والفروقات الطائفية.

بالإضافة إلى منع وصول أخبار القطيف إلى العالم وعزلها عنه.

بالتوازي، عملت أجهزة النظام السعودي على شراء شخصيات سياسية ودينية، وممارسة ضغوط إقتصادية على المدنيين، وفرض الحصار على القطيف وجوارها، واستعمال الذخيرة الحية لتفريق المتظاهرين، إلا أنه وبرغم هذه الأجواء البوليسية، بقي الثوار في القطيف صامدين في نضالهم ضد الطغيان.

كانت انتفاضة ١٧ فبراير ٢٠١١، امتداد لانتفاضة محرم ١٩٧٩، فاندلاع الإنتفاضة الثانية في القطيف ما هو إلا دليل على نجاح الأولى التي كانت بمثابة الحافز والنموذج الحي لإنطلاقة الجماهير.

لذا صحيح أن يد الطغيان أخمدت الإنتفاضة الثانية لكن هذا لا يعني أنه أفشلها لأنها لم تأتي أكلها بعد، فمن يعلم لربما تندلع الثالثة بعد شهر أو عام أو عشرة المهم أنها ستندلع. وما كانت إخفاقات الماضي إلا دروساً ليتعلم منها الجميع في قادم الثورات.
مرآة الجزيرة http://mirat0035.mjhosts.com/42864/